الرئيسية 10 آخر ساعة 10 حميش يكتب عن جائحة الطاعون الأعظم .. الإنسان أمام الموت

حميش يكتب عن جائحة الطاعون الأعظم .. الإنسان أمام الموت

في ظلّ ما يعيشه العالم اليوم من ظروف استثنائية بعد انتشار جائحة “كورونا”، يعود المفكر المغربي بنسالم حميش إلى جائحة أخرى كان لها من التّأثيرِ القويِّ على الذاكرة الفردية والجماعية بالغرب الإسلامي ما كان، وأدّت إلى انهيار عدد سكّان بلدان المغرب، وفشل مشروع توحيدها، وأجّجَت التمايز الطبقي والتصوّف الشعبي فيها؛ بل ويمكن تفسير “تشاؤمية” ابن خلدون بها، وفق الأكاديمي المغربي.

وينتقي حميش من تاريخ الغرب الإسلامي مع الجائحة مشاهد من آثارها، ومواقف مختلفة حدّ التناقض في تدبيرها؛ فمن الرؤى التي دعت “المسلم العاقل” إلى الوقاية وإصلاح الجسم بالأغذية والرياضة، واقترحت علاجات كانت محدودة التّأثير، والمواقف الفقهية التي رأت أنّ ليس للمؤمن من سلاح إلا الدّعاء وقراءة القرآن أو حتى رسم بعض أسماء الله الحسنى على رأس المريض المحلوق، إلى رؤى ربطت “الطاعون” بالزّنا والفاحشة المستلزمَين لـ”وخز الجنّ”، مستثنية من هذا من كان بريئا منهما بإلباسِهِ تاج “الشّهادة”، وأخرى طعنت في الأطباء نافية العدوى.

وأورد الأكاديمي، في هذا السياق، مقتطفا يعود إلى زمن “جائحة” القرن الرابع عشر، يراه “أحسن رد لتلك المواقف الفقهية المعادية”.

في ما يلي مقال المفكر المغربي بنسالم حميش:

جائحة الطاعون الأعظم الإنسان أمام الموت

“وفي الشرع مؤنسات كقوله لا يورد ممرض على مصح. وبالجملة فالتصامم عن مثل هذا الاستدلال زعارة وتصاقر على الله واسترخاص لنفوس المسلمين”.

لسان الدين ابن الخطيب، مقنعة السائل عن المرض الهائل (ص 7-8).

حول جائحة كورونا ڤيروس تكاثرت في أوساطنا الكلاميات السائبة اللامقيدة معرفيا وتحليليا. وللتذكير كان الخليفة عمر بن الخطاب الفاروق يقول “تفقهوا قبل أن تسودوا”، وعطفا على هذا النصح الساطع المستنير أضيف: «تفقهوا قبل أن تتفوهوا أو على الورق تخبطوا». إذ أن ذلك يعكِّر صفو الفهم ويخطئ المرام والصواب. ورجائي في هذه المقالة أن أجيد وأفيد قدر المستطاع وفي حيِّز منوغرافي يتعلق بجائحة الطاعون الأعظم في الغرب الإسلامي.

بدءاً، هي ذي لوحة ابن خلدون: «هذا إلى ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف، الذي تحيّف باهل الجيل، وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها، وانتقص عمران الأرض بانتقاص البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم، وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل، وتبدل الساكن. وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته ومقدار عمرانه. وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض، فبادر بالإجابة، والله وارث الأرض ومن عليها» (المقدمة، ص 42-43).

وإذن، في مدار القلاقل البدوية وجو القهر وانعدام الأمن، حلّ ذلك الوباء ليضرب بلدان المغرب ويساهم بقوة في انتكاس عمرانه. وهذا معناه أن الحدث كان قوي التأثير على الذاكرة الفردية والجماعية.

عموماً، ما نعلمه من دراسات كثيرة أن وباء الطاعون، الذي سماه معاصروه بأسماء شتى، منها “المرض الوافد”، إذ كان مأتاه من آسيا الوسطى، بلاد قبائل المغول والخان الأكبر، حيث أفرزته الحروب المدمرة وتراكم الجيف بدءاً من العقد الرابع للقرن السابع. وقد عملت على انتشاره في أوروبا فالمشرق وبلاد المغرب الرياح وكذلك القوافل التجارية، خصوصاً منها البحرية المتنقلة عبر الموانئ، حيث تفزغ سلعها ومعها الجرذان الحاملة لجراثيم الداء والعدوى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*